الرئيسية ||| اخر مواضيع الموقع ||| البتولية عند الآباء الرسوليين

البتولية عند الآباء الرسوليين

 

ظهرت الكِتابات عن البتولية مُبكراً منذ العصر الرسولي ومن بعده في زمن الآباء الرسوليين، فجاءت كِتاباتِهِم وأقوالهم مُعبِّرة عن اهتماماتِهِم بحياة البتولية، خلال رسائِل القديس كلِمنضُس الروماني (أسقف روما في القرن الأوَّل)، وخلال الدِيداكية (تعليم الرب للرُّسُل الاثنى عشر) (100 – 150م) وخلال كِتابات الراعي هرماس وكِتابات القديس أغناطيوس الأنطاكي.

فأفاضوا في مدح البتولية وتمجيدها، وأظهروا تقدير الكنيسة في العصر الرسولي وما بعده للبتولية وللمُتبتلين كطغمة من طغماتها، إذ أنها كرَّمتهم وجعلت أماكن جلوسهم في الصفوف الأولى بالكنيسة في مُقدمة جماعة المُؤمنين.

وتُعتبر الرسالتان المنسوبتان للقديس كلِمنضُس الروماني تلميذ الطوباوي بطرُس الرسول، أقدم وثيقتين لتاريخ البتولية وقوانين الحياة النُّسْكية، إذ تُمثِلان مدحاً لحياة البتولية كعمل إلهي فائِق للطبيعة وكحياة ملائكية، ويتحدَّث فيهُما الكاتِب عن طبيعة البتولية ومفهومها كحياة روحية وجسدية وليست مُجرّد ألقاب.

تتحدَّث الرسالة الأولى مُخاطِبة كلّ الذين يُحِبون المسيح وينشغِلون به، المُتبتلين الطوباويين الذين كرَّسوا أنفسهم لحِفْظ البتولية من أجل ملكوت السموات مُتأهلين في كلّ شيء بالبِر والإيمان ليكون لهم نِعمة وفِطنة صالحة قُدَّام الله والناس.

وتحرِص الرسالة على اعتبار أنَّ سُبُل البتوليين ينبغي أن تكون كنور مُشرِق يتزايد نوره ليصل إلى النهار الكامِل، وعلى أنَّ أشعة نورهم ينبغي أن تُضئ الخليقة كلّها من الأعمال الصالِحة، مُلتزمين بالكمال في الكلِمات والأفعال مُتزينين في حياتهم بسلوك نموذجي وترتيب.

كما ركِّزت الرسالة على ضرورة أن يكون المُتبتلون مثالاً للمُؤمنين وأن يسلُكوا في أعمال كاملة لائِقة، إذ لا يقدِر الإنسان أن يخلُص لمُجرّد أنه بتول، فقد دعى ربنا مثل هذه البتولية ”جهلاً“ كما جاء في الإنجيل، ويعتبر كاتِب الرسالة أنَّ مَنْ يُنكِر قُوَّة البتولية والقداسة إنما يُقدِّم عبادة باطلة، وتُعتبر بتوليته من نوع دَنِسْ.

وتشرح الرسالة مفهوم البتولية بطريقة عملية باعتبارها إنسحاب وانفطام عن الشهوات وكذلك كاختبار للحياة الإلهية السمائية على مثال الملائكة القديسين، عملها سامي عظيم، لها أتعابها ومشقاتها الحقَّة التي لا تتوقف وعملها المُقدس الكريم ومُصارعتها القانونية للنُّصرة على التنين والأسد والحيَّة والشيطان، ومن ثمَّ يصير مجد البتولية وسمو رِفعتها ودعوتها العُليا.

كما تُقدِّم الرسالة نماذِج لشخصيات عاشت عظمة البتولية التي تعتبرها إمتثال بالمسيح في كلّ شيء، وبالعذراء البتول التي أخذ من جسدها البتول جسده، وتُقدِّم أيضاً نذير ربنا يوحنَّا المعمدان كنموذج للسيرة البتولية، وكذلك سميُّه يوحنَّا الحبيب الذي إتكأ على صدر ربنا، كما تُقدِّم القديس بولس وبرنابا وتيموثاوس نماذِج لقداسة البتولية، علاوة على إيليا وأليشع وكثيرين من الذين يجب أن نتشبه بهم.

وحرصت الرسالة على إبراز حتمية بتولية الروح إلى جِوار بتولية الجسد، إذ ليس من البتوليين مَنْ لم يكُن مثل المسيح في كلّ شيء، والذين هم مُتبتِلون يفرحون لأنهم يصيرون مثل الله (الآب) ومسيحه، فلا يكون فيهم فِكْر الجسد الذي هو عداوة لله، لأنَّ البتوليين خاصَّة ليس فيهم شيء من فِكْر الجسد بل تكون فيهم ثِمار الحياة ويكونون مدينة وبيوتاً وهياكِل لسُكنى الله، ويظهرون للعالم كأنوار مُستحِقة للمدح والإفتخار ولأكاليل الفرحة والبهجة.

وتُحذِّر الرسالة من المخاطر والعثرات والشِباك والفِخاخ المُحيطة بطريق البتولية وتُقدِّم الفضائِل المُلازمة لها مع بعض النصائِح التي تجعل من المُتبتلين فَعَلَة بلا لوم أُمناء عمَّالين، إذ أنَّ التبتُّل الحقيقي يفرِض مسئوليات جَدِيّة فهو ليس مُجرَّد حالة جسدية إنما هي زيجة روحانية..

وعندما نأتي إلى الرسالة الثَّانية نجد تحذيرات تتعلَّق بخُلطة النُّسَاك والناسِكات، وبسلوك المُجاهدين في دروب البتولية وتنظيم مواضِع سُكناهم لتأمين دعوتهم بعيداً عن العثرة، على مِثال يوسف الصِّدِّيق.. وتروي الرسالة سِيَر آباء من العهدين (سقوط شمشون الجبَّار – سقوط داود – أمنون وثامار – سُليمان ابن داود – سوسنَّة والشيخان..).

كذلك جاء أيضاً في مُؤلف من الأدب المسيحي منسوب إلى كلِمنضُس الروماني يُسمَّى ب ” عهد الرب“ وهو ضِمن مجموعة الثمانية كُتُب المدعوة ”الثَّماني Octateuque“ وُجِدت أولاً تحت عنوان ”القوانين الرَّسولية Les Constitutions Apostoliques“ ما يُفيد أنَّ البتول لا يُقام أو يُرسم، بل هو نفسه يختار راضياً فيُعرف بهذا الاسم، لا تُوضع اليد للبتولية، لأنَّ هذه الحالة هي إرادة شخصية إلى جِوار أنها هِبة وعطيَّة ونِعمة.

ثم نأتي بعد ذلك إلى القديس أغناطيوس الأنطاكي الذي تحدَّث عن البتولية كسِرْ، فقال: ”بتولية مريم وابنها وكذا موت الرب، أمسكوا برئيس هذا العالم. هذه الأسرار الثَّلاثة (أي سِرْ بتولية العذراء، وابنها، وسِرْ موت الرب) تمَّت في السكون الإلهي..“.

وفيما هو يعتبِر البتولية سِرْ إلهي، يرى ضرورة تلازُمها بالإتضاع، فعلى البتول أن يحفظ بتوليته إكراماً لجسد الرب، لكنه لو تكبَّر أضاع نفسه.

وهنا يحِث القديس أغناطيوس الذين يعيشون في البتولية على ضرورة الشعور بعدم الاستحقاق، لأنَّ البتولية المُعطاة لهم هي نِعمة سَرَائِرية ليس لهم فضل فيها، وبفهم صحيح يكون عندهم قُدرة ليُقدِّموا ذواتهم بالكُلية للمسيح، وإكراماً لجسده يُقدِّمون أجسادهم وأرواحهم له وكلّ ما لديهم من طاقة وقُدرة وجهد ووقت وتفرُّغ ذهني وقلبي وروحي وليس فقط مُجرَّد التفرُّغ الوقتي، ليكون إكراماً لجسد الرب، ويقول القديس: ”إذا كان بإمكان أحد أن يبقى مُتبتِلاً مُتشرِفاً بجسد السيِّد فليبقَ كذلك مُتضِعاً“.

ويجمع القديس أغناطيوس الأنطاكي في رسائِله بين ما جاء في إنجيل يوحنَّا وما قاله القديس بولس عن الثبات في المسيح والإتحاد بالمسيح والإقتداء بالمسيح، فكتب إلى أهل رومية (8: 5 – 6) يُذكِّرهم أنَّ ” مَنْ يهتم بالجسد لا يُمكنه أن يعمل الأعمال الروحية ومَنْ يهتم بالروح لا يُمكنه أن يفعل أفعال الجسد“ ويُوصي بالثبات والإتحاد والإقتداء بالمسيح، ونَحَتْ القديس أغناطيوس لهذه الغاية إصطلاحات ”حاملي الإله“ ”حاملي المسيح “ ”حاملي الهيكل“.

هذا وفي رسائِل المُتوشِح بالله أغناطيوس الأنطاكي يُقدِّم دائماً تحية ومُصافحة أبوية كأسقف لبيوت العذارى والمُتبتِلات والمدعوات أرامِل، مع نصائِح رَعَوِية لهُنْ ليكُنَّ أقوياء بفضيلة الروح ويتشددن بالإيمان والمحبة جسدياً وروحياً.

أمَّا الشهيد بوليكاربوس (انظُر كتابنا ”القديس بوليكاربوس“ – سلسلة آباء الكنيسة – أخثوس؟؟?) أسقف سميرنا فيُوجِه نداءهُ إلى الأرامِل اللاتي تكرسن للرب في فيلبي لكي يكُنَّ ”عاقِلات في الإيمان بالرب“ ويُعرِّفهُنَّ أنَّهُن هيكل للرب، فهو الذي يفحص كلّ شيء بدقة ولا يُخفى عنه شيء من أفكارنا وعواطِفنا وأسرار قلبِنا.

ويقول هرماس الذي ذَكَره القديس بولس الرَّسول في رسالته إلى أهل رومية (16: 14) وهو صاحب كِتاب الرَّاعي: إنَّ البتولية ليست بين الأعمال التي يجب القيام بها، ولكنها بين الأعمال التي تتم طواعية كالاستشهاد، أي أنها ليست للجميع بل للذين أُعطِيَ لهم، فهي بين الأعمال التي يتم التبرُّع بها.

ويرى كاتِب الرَّاعي هرماس أنَّ البتول هو العفيف البعيد عن كلّ شهوة رديئة والمُمتلِئ بساطة وبراً، لذلك يصِف العذارى بالجمال، ويُوصيهن بالاستعداد والمهابة وكذا بالقُدرة على الإحتمال والرجولة الروحية.

وتُشير رؤيا هرماس إلى أنَّ العذارى يُساهِمن في بُناء الكنيسة وفي حراسِتها، ويُسرِعنَ لمُلاقاة رب الكنيسة والسير معه في خِدمته، لهُن أرواح مُقدسة، ويلبِسنَ الوِشاح مملوئات فضائِل.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عن منع أقباط المنيا من الصلاة.. “القرموطى” : “أسلوب عفن لا يتغير”

انتقد الإعلامي جابر القرموطي، منع قوات الأمن أقباط عزبة “الفرن” التابعة لمجلس قروي بمركز أبوقرقاص في جنوب المنيا، من الاحتفال ...

%d مدونون معجبون بهذه: